آخر الأخبار

الاثنين، 29 يوليو 2019

مناورات طفولية بقلم هاجر كافي

قصة قصيرة....
      بقلم ..هاجر كافي
مناورات طفولية......
كنت أعود مسرعا جدا من الحقل إلى البيت, أسابق ريح المساء تحت خيوط الشمس الذهبية المنصرفة إلي مخدعها في شهر تموز  ،أخبئ أحلامي الكبيرة في عيني البنيتين فتبدو قوية كالحرب و لامعة كالسلام .تعانق كلتا يدي نعلي البلاستيكي الأسود و أحمل على ظهري عبء نهار قاسي ،ترقرقت من جبيني الأسمر حبات العرق فتهبط متلألئة مع أشعة الشمس في خجل ، قلبي ينبض خوفا من أن يفوتني النهار و لم أحمل فيه الناي و أغني , أركض لاهثا حتى أدرك بيتنا و ما إن أقف على عتبته حتى أدفع الباب بقوة كالمدفع فيوقظ انتباه والدتي التي  يعلو صراخها و يسبقها إلي , و قبل أن تدركني أدرك أنا مخبئي السري أين أخفي كنزي الصغير ثم أتسلل كاللص محترف و أعود من حيث جاءت بي الطريق,يغمرني الأمل في أن أعزف لأصدقائي الفلاحين ما أجيده من ألحان..
لأرى  البسمة تعلو وجوههم.. و الإعجاب يرسم لوحة على تفاصيل ملامحهم التي أضنتها حرارة شمس الصيف و اتخذت منها حبيبات العرق أخاديد لها , لعلي  أضيف و لو قليلا من الفرجة إلى نهارهم  الشقي من حياة جد قاسية، و شأني هكذا حتى أصطدم بجدار اليأس و الخيبة , إذا لا أجد أحدا بانتظاري سوى ريح الجنوب التي تراقص سنابل القمح و بعض الصقور في الفضاء و فزاعة الطيور .أقف منتصبا أراقب الفراغ الخالي من أي روح بشرية , أين العم منصور الفلاح ؟أين درويش و الخالة حليمة ؟ أين حمزة و علي و الكلب "توتو" لما وعدوني أن كانوا سيهربون، أصرخ هل سأغني  للسنابل  الآن ؟ التي لا ننصت  إلا لصوت الريح أم للفزاعة التي لا تبالي بشيء سوى طرد العصافير أو للصقور التي ربما ترى كنزي الصغير صيدا لفراخها الجائعة. أحمل مرارة الخذلان ، اتكئ على الفزاعة الخشبية قبل أن ألم ما ألم بي من خيبة و أعود  ،على الأقل أمي التي لطالما وعدتني بالعقاب لأنني أدفع الباب و أخرج دون أن أغتسل تنتظرني مع قطعة من حبل الغسيل الذي سيأكل من لحمي , وحدها أمي تفي بوعدها . أقطع الدرب منحي الرأس , لك أن تغربي الآن أيتها الشمس لم يعد يهمني مادام لا أحد يريد عزفي
على عتبة البيت أجلس أدخر لحظات ما قبل العقاب يحترق فيا الأمل، حتى دنت مني قطة  العمة نورة أتراها جاءت لتواسيني , اقتربت من الناي الذي بجانبي و أخذت تتفحصه و تشير باتجاهي و تموء گأنها تطلب شيئا ما ..
ليس طعاما هذا يا "نوسة" أبعدته عنا لكنها بقيت تلح علي
حسنا.....حسنا....يا"نوسة" لكي هذا، تريين بعض الموسيقى يبدو أنك مللت صيد الفئران مثلما مللت العمل في الحقل, أخذت الناي  و وضعت رأسه الصغير بين شفتي  ورحت أرسل له نفسا عميقا أخرجه من كل  خلايا جسدي ليمر على قلبي فأسقيه منه قبل أن يصل إلي فمي و يخرج  لحنا عذبا و قويا من الناي و استرسلت أنا في عالم خيالي جميل أجوب معالمه
ما إن فرغت حتى وجدت "نوسة" تصغي لما أعزف بانتباه شديد و كأنها شيء عاقل يفهم ما أقول
عجبت كثيرا لما حدث , لم يرغب أحد في سماعي  لكن  وحدك يا نوسة من أعطتني فرصة كهذه .
و عرفت منذ ذلك الحين أنه ليس شرطا أن يستمع أحد إليك في الوقت الذي أنت تريد , هناك أشياء تأتي متأخرة لكنها تكن أجمل لم أكن لأسعد لو أن الفلاحين سمعوا عزفي مثلما فعلت نوسة و لم أكن لاجد طريقي الصحيحة لولا هذه القطة الذكية , مواقف صغيرة تفتح بابا لأحلام, نهضت بسرعة و نفضت عني غبار الفشل و دفعت باب البيت بقوة " لقد عدت يا أمي"  .  
#بقلمي
هاجر كافي...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاكثر إهتماما